وهبة الزحيلي

54

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

تقدحون منه النار ، وتوقدونها من ذلك الشجر ، بعد أن كان أخضر . وهذا دالّ على القدرة على البعث ، فإنه تعالى جمع فيه بين الماء والنار والخشب ، فلا الماء يطفئ النار ، ولا النار تحرق الخشب . وإبراز الشيء من ضدّه : وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر أبدع شيء ، وهو دالّ على قدرة اللّه تعالى . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي إن من قدر على خلق السماوات والأرض ، وهما في غاية العظم ، يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير ضعيف بَلى أي هو قادر على ذلك ، وبلى كلمة جواب كنعم ، تأتي بعد كلام منفي ، وكان الجواب من اللّه للدلالة على أنه لا جواب سواه . وَهُوَ الْخَلَّاقُ الكثير الخلق الْعَلِيمُ الواسع العلم بكل شيء ، فهو كثير المخلوقات والمعلومات . إِنَّما أَمْرُهُ شأنه في الإيجاد . إِذا أَرادَ شَيْئاً خلق شيء . أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ أي فهو يكون ، أي يحدث ، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده من غير تأخر وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة ، قطعا للشبهة في قياس قدرة اللّه تعالى على قدرة الخلق ، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ . . أي تنزيه عما ضربوا له من المثل ، وتعجيب مما قالوا فيه ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ الملك التام والقدرة ، كالرحموت والرهبوت والجبروت ، زيدت الواو والتاء للمبالغة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تردون في الآخرة . سبب النزول : أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : جاء العاص بن وائل إلى رسول اللّه ص بعظم حائل ، ففتّه ، فقال : يا محمد : أيبعث هذا بعد ما أرمّ ؟ قال : نعم ، يبعث اللّه هذا ، ثم يميتك ، ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم ، فنزلت الآيات : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى آخر السورة . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وقتادة والسّدّي نحوه ، وسمّوا الإنسان أبي بن خلف . وهذا هو الأصح كما قال أبو حيان ، لما رواه ابن وهب عن مالك . وبناء عليه ، قال المفسّرون : إن أبي بن خلف الجمحي جاء إلى